تأويل جزء عمّ
سلسلة تأويل القرآن العظيم
(أنوار التنزيل وحقائق التأويل)
المجلد التاسع (جزء عمّ)
- للعلامة الإنساني الجليل محمد أمين شيخو قدس سره
- جمع وتحقيق: الأستاذ المربي عبد القادر يحيى الشهير بالديراني
لمحة عن الكتاب
تأويل آيات جزء عمّ ببلاغة سامية لا يطار لها بجناح على ما فيها من البساطة في التعبير، من الاسلوب السهل الممتنع جاءت لترقى بالإنسانية إلى أفق سام آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر حاثة على الفضائل والمكرمات وتقبّح الرذائل والأوهام تدعو الإنسان للأخوة والموّدة في القربى لإخوانهم بالبشرية بل الإحسان للخلق كافّة فيكون الإنسان أخاً محبّاً للإنسان،رسم خطة النجاح الحقيقي والفلاح الدائم والسلام وطريق السلوك القويم الذي سلكه كافة الرسل والأنبياء وصحب النبيّ صلى الله عليه وسلم الذين سادوا القارّات الثلاث آنذاك ونقلوا به روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لكافة شعوب الأرض والتي تنقلهم للجنّات،آيات جزء عمّ، كل من صدر بالتفكير بهذه الآيات الكونية التي أشارت إليها غدا عالماً حكيماً يرد شهود حقائق شهادة لا إله إله إلا الله، فبها مواد مدرسة عظمى بها درس أبونا إبراهيم عليه السلام فصار عظيماً وغدا أبا الأنبياء، وبها درس كافة الرسل و الأنبياء، وهو العلم المطلوب {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} سورة محمد، الآية 19.
وكفى بالمرء علماً أن يخشى الله. بعث الله رسله لعباده ليذكّروهم بنعمه سبحانه وتعالى ويبلّغوهم عظيم قوله وجليل دعوته فأثاروا فيهم خامد تفكيرهم وأروهم آيات المقدرة من سماء مرفوعة وأرض مفروشة موضوعة ، ومعايش تحييهم وآجال تفنيهم، بآيات جزء عمّ بحثاً وتحقيقاً وتدقيقاً يوصل المرء إلى العلم بلا إله إلا الله ويكون الرسل له حجة له لا عليه إذ أثمر بعد أن أُنذر.
الصيغ المتوفرة:
هذا الكتاب متوفر بعدة صيغ: كتاب إلكتروني، صوتي، وورقي
كتاب إلكتروني:
معلومات الكتاب الإلكتروني
- الكتاب الإلكتروني بصيغة PDF، ePUB.
- الكتاب الإلكتروني مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر على منصات غوغل بلاي، أبل ستور، أمازون.

كتاب صوتي:
معلومات الكتاب الصوتي
- الكتاب الصوتي بصيغة MP3.
- الكتاب الصوتي مجاني.
- روابط التحميل تظهر لكم بعد تقديم الطلب.
- الكتاب متوفر بشكل صوتي ومجاني في موقعنا، ومتوفر أيضاً في مواقع الكتب الصوتية العالمية الشهيرة.

كتاب ورقي:
معلومات الكتاب الورقي
- الكتاب الورقي متوفر للشراء من موقع الأمازون وشركائه، في أنحاء العالم.

أسئلة متعلقة بتأويل القرآن الكريم
ورد في سورة الكهف الآية رقم (34) بسم الله الرحمن الرحيم {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ} كيف يصاحب المؤمن الكافر؟ وكيف يدعو المؤمن على صاحبه الكافر؟
يصاحبه لـمّا يتوسم منه التوبة والنجاة والنجاح، والصحابة الكرام صاحبوا أهل الشام والعراق ومصر وكانوا على الكفر فهدوهم إلى الإيمان. إنه لا يدعو عليه ولكن ينذره بما قد يصيبه إن أصر على الكفر ونكران المنعم المتفضل جل وعلا.
يقول تعالى في سورة الكهف، الآيات (32-44): 32- {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ..}: بساتين من جميع الفواكه "من فواكه متنوعة" {..وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ..}: من حول الحديقتين أي من أطرافها. {..وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعاً}: من خضر في الوسط، بين الأشجار خضراً وكلأ.
33- {كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا..}: أثمرت، نضج وآن أوان القطاف. {..وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً..}: كان الحمل تاماً كاملاً، كله أثمر فما من شجرة حملت قليلاً بل كلها أعطت حقها. {..وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَراً}: مستمر الجريان متى شاء وأراد سقى.
34- {وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ..}: كان للرجل غلة وثمر، إذ نضج. {..فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً..}: أنت فقير. {..وَأَعَزُّ نَفَراً}: انظر ما عندي، رغم أنني لست مثلك على السير الذي تدعي بأنه حق.
35- {وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ..}: لـمّا قال من قبل أنه أكثر مالاً وأعز نفراً. (وهو ظالم لنفسه): ببعده عن الله استلذ بها ولم يذكر نعمة الله. {..قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً}: ما أظن هذه الخيرات، هل تذهب؟! أمَّنْتُ مستقبلي.
36- {وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..}: البعث "كما يقال". {..وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً}؟ هنا استفهام. هل أجد خيراً منها بعد الموت؟! كل هذا لا أصل له.
37- {قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ..}: ألا تذكر أصلك ونهايتك، أتنكر الذي خلقك! ألا تفكر ببدايتك كيف كنت تراباً. {..ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ..}: لـمّا تخلّقت، أصلك من ثمرة أكلها أبوك فصارت نطفة كيف تنكر هذا الإنكار؟ الذي سوّاك من نطفة كلامه ليس بصحيح؟!! {..ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً}: من طور لطور حتى صرت إنساناً ألا تفكر بحالك بأصلك من سواك، من ربّاك من نمّاك؟!
38- {لَّكِنَّا..}: لكن لكنا لازم نعرف جيداً. {..هُوَ اللَّهُ رَبِّي..}: كل الفضل فضله تعالى. {..وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً}: أنا هذا ما رأيته.
39- { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاء اللَّهُ..}: كان. ما شاءه الله كان وما لم يشأه لم يكن. {..لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..}: الكل فضله. {..إِن تُرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ..}: الآن. {..مَالاً وَوَلَداً}: فاحتقرتني، ترى نفسك أنك غني وعندك أولاد ولا تعبأ بقولي! 40- {فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ..}: لم تحسب له حساباً، حسب ما يلزمها، بلاء لا تحسب له حساباً لكنه بلاء ضمن حساب لا يخطئه. {..فَتُصْبِحَ صَعِيدًا..}: تراباً. {..زَلَقًا}: مندثرة، غباراً ذاهباً من يدك، مستنقعاً يزحلق الإنسان، يطوف النهر فلا يستطيع أحد السير فيه، والخيرات لا أثر لها.
41- {أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا..}: يغور. {..فَلَنْ تَسْتَطِيعَ..}: ساعتها. {..لَهُ طَلَبًا}: من الذي يخرجه لك!
42- {وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..}: أي أن البلاء لابدّ واقع بالمعرض. {..فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا..}: خسر خسارة كبرى وكذلك كثيرٌ ممن يعطى مالاً أو وظيفة ثم تسلب النعمة بكفره. {..وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا..}: شجر يابس. {..وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا}: هنا شعر وآمن فكل ما يسوقه تعالى للإنسان هو خير له. "قصة الرجلين ومعناها أن الله يعطي العبد فإن شكر وأقبل وإلا يأخذ منه هذه النعمة فإن لم يرجع فله عذاب بئيس.
43- {وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ..}: إذا حل البلاء من يردُّه! {..وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا}: بما عمل الإنسان إن أوتي نعمة يجب عليه أن يشكر ليزداد نعمة.
44- {هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ..}: عندها عرف المسألة بيد الله تعالى. {..هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا..}: رجعة له. {..وَخَيْرٌ عُقْبًا}: يعقب الإنسان ليطهّر له نفسه. (وخير عقبا): من هذا المال فكل ما يصيب الإنسان فإنما هو من حنان الله عليه "أبصر به وأـسمع": فالله تعالى يسوق ما يسوق للإنسان ليرده للحق إن أرسل الشدائد للإنسان فمن شدة حبه تعالى وحنانه ورحمته به.
أريد منكم أن تشرحوا الآية 23 من سورة الحشر.
يقول تعالى في سورة الحشر الآية (23): {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
{هُوَ اللَّهُ..}: هنا يبلِّغ رسولُ الله الخلق عما شهده من الله عزّ وجل ويخبرهم عن أسماء الله الحسنى التي شهدها ورآها فإن ارتبطت نفسك بنفس المتكلم ﷺ بروابط المحبة والتعظيم رأيت بمنظاره ما يتلوه عليك عن هذه الآية من الذكر الحكيم. و( الله ): وهو الاسم الأعظم وهو اسم الذات يدلك لفظها على المسمى جلَّ جلاله واسم الله الأعلى يشتمل على سائر الأسماء الحسنى، فلو شاهدت ما آل إلى الله من مزيد الفضل والإكرام وعظيم الرحمة والمحبة والحنان عليك وعلى كل الخلق أيها الإنسان، ولو رأت نفسك ما يكلؤك به من البر والخير والإنعام الذي يغمر الكون كله ونعمه تعالى التي تشمل الموجودات جميعها، وشرط هذه الرؤية أن تؤمن به تعالى من ثنايا كونه العظيم، أقول لو رأيت هذه الرحمة والحنان أيها المؤمن لتولهت به حباً وهياماً وطارت نفسك إليه شوقاً وغراماً وعرجت في بحور الجلال والجمال والعظمة ولحلقتَ بنفسك التجاءً وإقبالاً عليه ولما انقطعت عنه بعدها أبداً.
إذن ( الله ): هو الذي تتوله الأنفس به إذا هي أقبلت عليه ورأت ما آل إليه من إكرامٍ وإنعامٍ وبرٍّ وفضلٍ وإحسانٍ، والله خلقك لتتعرف عليه وتنال جناته.
{..الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ..}: لا مسير في هذا الوجود سواه ولا متصرف في هذا الكون إلا هو، كل جيل يأتي ويذهب ويتلوه جيل آخر، فمن أين الحياة التي ترفد الأجيال تلو الأجيال والتي تغمر الوجود كله والجمال الذي يمسح الكون كله، فمثلاً العين التي تصوّر مئات الصور في اللحظة الواحدة أليس الله هو المتصرف بها وبأجهزتها وغذائها والملحقات بها من غدد دمعية وما إلى هناك لكي تتضح لديك الرؤية، فالعين لا تستطيع أن ترى إلا بإذنه تعالى فإن شاء أراها وإن شاء منعها وجردها من كل خصائصها وقواها، كذا الهواء بتركيبه ونسبه الثابتة هل غيره تعالى أوجدها ونظمها وجعلها متوافقة مع جسمك بهذا النظام العجيب الدقيق، هل من إلۤه غيره يعطي ويغني فهو مصدر الإحسان والعطاء وكل ما خلا الله باطل وإلى زوال ولا يبقى سوى الله، فمن المتصرف في هذا الكون جميعه غيره؟! من يأتي بالسحب والأمطار وبالليل والنهار والحر والبرد والصيف والشتاء؟ فلا حركة ولا سكنة إلا به تعالى هو المتصرف في كافة شؤون الكون كله.
{..الْمَلِكُ..}: تقول ملِكُ البلاد وهو الحاكم المتصرف في شؤون البلاد بواسطة القوانين التي يرسمها وهو الذي يتدخل في الشؤون العامة فقط ولا يتدخل في خصوصيات المواطنين واختيارهم، وهذا مثال لنقرِّب لك وجه الحقيقة ولله المثل الأعلى، والله عزّ وجل أعطى الناس جميعاً حرية الاختيار فأنت تختار ما تشاء ومنه تعالى الإمداد والحول والقوة لتنفيذ اختيارك، فالله المَلِك. فهو يملك جسمك وهو بكل خلية من خلاياك في عينيك وفي كافة جوارحك كلها بيده نَفَسُكَ بيده تعالى وروحك لا يملكها سواه، وكذا الجنان منه تعالى وهو يملكها والآخرة والدنيا بين يديه يملكها، ولكنه منحك الاختيار تختار لنفسك ما تريد وهو تعالى منه التنفيذ والحول والإمداد يسلِّط كل نفس على مستحقيها، وكذا الشيطان ليس له سلطان إلا على نفوس آثمة تتطلب هي الرذيلة، {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً..} سورة الأنعام: الآية (129).
{..الْقُدُّوسُ..}: أي كل من أقبل عليه والتفت نحوه تعالى يزيده بالأنوار ليطهِّر نفسه ويحيطها بالتجليات العلية القدسية فهو يقدِّسك، أي يطهِّرك ويزكِّيك من كل العلل والأدران، والملائكة قالوا {..نُقَدِّسُ لَكَ..} سورة البقرة: الآية (30). أي نطهِّر النفوس بنورك وعن طريقك يا الله وبحولك وإمدادك. والأنبياء والرسل كلهم مقدسين بإقبالهم العالي على الله فهم معصومون من الزلل والخطأ، وهم (قديسين)، يطهِّرون نفوس من يصاحبهم بالنور الإلۤهي المتوارد على قلوبهم، فالرسول القديس يغمرهم بالتجلي الإلۤهي العالي وينير لهم عقولهم وقلوبهم فينسى المؤمن الدنيا وما فيها مهما عظمت ويذهب عنهم الأدران والعلل وأوضار الدنيا جميعها ويحفهم بالأنوار القدسية وبهالة من التجليات الإلۤهية السنية.
{..السَّلَامُ..}: هو تعالى السلام، لم يخلق في هذا الوجود أي مظهر من مظاهر العنف والدمار ولم يخلق للإنسان أنياب أو مخالب، كذا لم يوجد في هذا الكون شيئاً من وسائل الدمار أو القنابل، بل هو تعالى السلام ومنه السلام، في الأصل كنا جميعاً في جنة عالية وليس في الجنة إلا الهناء والسعادة والمسرات والنعيم والأنوار فلا شقاء في الجنة ولا آلام ولا أحزان ولا قتل ولا دمار، فمنه تعالى الجنة التي فيها السلام، إذ هو تعالى السلام وجئنا إلى هذه الدنيا لننال الجنات، فإن وفى الإنسان بعهده وأخلص لربه السلام نال بدل الجنة جنات فإن حصل ذلك لا تكون هناك حروب أو آلام أو شقاء أو أمراض ولا زلازل ولا طوفانات ولا أعاصير، {مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ..} سورة النساء: الآية (147). وتكون الحياة كلها وبجميع وجوهها هناء خالية من جميع المنغصات وبأمان شامل وسلام كامل، ولكنّ الإنسان ذاته هو غيَّر وبدَّل وتنكب سبل السلام وراح يخترع ويكتشف وسائل الدمار والتعدي فجلَبَ لنفسه الشقاء والأحزان والآلام لأنه تخلى عن الله، أي تخلى عن السلام {..وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ..}.
فالله أسماؤه حسنى وكلها سلام وأمان وكل ما نراه من مظاهر العنف والبطش كل ذلك منشأه من لدن ذلك الإنسان، إذ ترك الله وأعرض عنه فترك السلام فإلى أين سيذهب؟!. إذا ترك الخير والأمان والسلام فماذا يجد من دونه غير الحروب والآلام والشقاء.
{مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ..} سورة النساء: الآية (79).
الله بعثك إلى هذه الدنيا لتنال الجنات المتزايدة بدل الجنة الواحدة، وفي الجنة لا خوف ولا حزن ولا خسران ولا ألم، وخلقنا لهذا فهو تعالى السلام. والآن إن رجعت البشرية عن كفرها وطغيانها وتركت الدنيا والتكالب عليها ووفت بعهدها وعادت إلى خالقها وبارئها وليس لديه تعالى سوى السلام يعيشون بأمان واطمئنان وسلام -لا يتخلله أي كرب أو نغص أو آلام- ومغمورين بجنات ربهم التي أتوا لنوالها وشرطها الإيمان فالتقوى.
{..الْمُؤْمِنُ..}: إن الله عزّ وجلّ لا يعامل عباده إلا بأسمائه الحسنى وبما فيه الخير والإحسان، وهو كذلك لا يتغير فسبحان الذي يُغيِّر ولا يتغير، فمهما كفر الإنسان ومهما عتا عن أمر ربه تراه تعالى يرزقه ويمده بالحياة ويعطيه كافة رغائبه وشهواته ويعطيه الغنى والثراء ويمده بكل ما تتطلبه نفسه من شهوات: {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). فلا يعامل الله الإنسان نداً لند أو يعامله بالمثل وتعالى الله عن ذلك الوصف. بل يرحمه ويحنو عليه كما تعامل الأم الرؤوم طفلها العليل ولله المثل الأعلى {..كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ..} ولا يعامل عباده إلا بالرحمة والله مؤمن أنه لا يتغير عن هذا أبداً. ولا يتحول عن هذه المعاملات الودية الرحيمة الحنونة العطوفة بالإنسان مهما غيروا ومهما ابتعدوا عنه يبقى الله يغمرهم بحنانه وعطفه ولا يقابلهم بالمثل، فهو تعالى مؤمن من ذاته لذاته أن لا يتغير مع هذا الإنسان ولا يحمل عليهم مهما غيّر الإنسان وبدَّل.
{..الْمُهَيْمِنُ..}: كل ما في الكون يسير بنظام محكم وقانون ثابت لا يتغير ولا يتبدل على مر العصور وكر الأزمان، فالشمس تشرق في نفس اللحظة في نفس اليوم من كل سنة دون زيادة أو نقصان.
كذا الماء المكوَّن من ذرتي هيدروجين وذرة أوكسجين ولا تزداد هذه النسب ولا تتبدل ولا يعتريها خلل إذ لو ازدادت نسبة أي مادة عما هي عليه الآن لاختل نظام الكون واضطرب.
والنجوم في مجراتها تسير بمدارات ثابتة، والكواكب أيضاً تدور في أفلاكها والشمس والقمر كلٌ يجري وفق ناسوت لا يعتريه الخلل.
فالموجودات من صغيرها إلى كبيرها تسير بهذا النظام، وكيف أمرها تعالى فأتمرت ولا عصيان في ذلك ولا خروج عن إرادته تعالى أقول الله المهيمن أعطى تلك النفوس نعيمها وأشبعها سروراً وسعادة نفسية ومن ثم أمرها فأتمرت، فهو تعالى مهيمن عليهم بما يغمرهم به من نعيم وبسط ومسرات فسار الوجود بهذا النظام العجيب وكلٌّ راضٍ بوظيفته ويؤديها على أتمَّ وجه وأكمل صورة. فهيمن تعالى على كل ذرة في أجسامنا وعلى كل خلية من خلايا أجسام باقي الموجودات يغذيها بفضله وبرّه وإحسانه حتى تسير بالكمال لا خلل ولا نقص. كله كمال بكمال، هو تعالى مسيرهم ومهيمن عليهم بإحسانه وفضله، وهم راضون بهذا النعيم وتلك الوظيفة التي أوكلت لهم على أن يدوم هذا العطاء من الله، فهو تعالى كافيهم وموفّي لكل نفس نعيمها وبسطها وسرورها فسار الوجود كما تراه الآن على هذا الوجه من الكمال، أيضاً هذا الإنسان المكلف الله مهيمن عليه إذ يغمره بفضله وإحسانه ويعطيه كافة متطلباته من ماء وهواء وغذاء، فأرواح الناس جميعاً بيده وهم مفتقرون لعطائه الدائم الذي لا ينقطع عنهم طرفة عين، فهو تعالى مهيمن عليهم بفضله وبرّه وإحسانه وبما يغمرهم به من نعمة وكلهم في عوز له تعالى شعروا بذلك أم لم يشعروا ولكن عند فقدان النعمة كلهم يقولون: (يا الله)، فالله مهيمن عليهم بنعمه، فإذا احتبس النَفَس وانقطع ترى الإنسان الضعيف يجأر إلى الله بالدعاء والتوسل. فالله مهيمن على الخلق كافة بما يتحفهم به من عطائه وخيره.
{..الْعَزِيزُ..}: المتفرد بالكمال ومن غيره النقص ولا كامل إلا الله، وكل كامل من كماله تعالى يتكامل، فهو تعالى كمال بكمال.
{..الْجَبَّارُ..}: بما أن لله الأسماء الحسنى فقط، فالجبار تعني: جبار الخواطر يغنيك بعد الفقر والفاقة، يبدِّل خوفك أمناً وسلاماً وسقمك صحةً ونشاطاً، فهو تعالى الذي يقيل العثار ويأخذ بأيدي المتوسلين إليه ويجبر كسرهم ويقبل توبة التائبين ويبدلهم بالنعيم والجنات بدل الشقاء والآلام فلا يجبر الخواطر سواه، فلا حول ولا قوة إلا به تعالى ولا ملاذ إلا إليه، ويجبر المكسور بأن يشفي نفسه.
{..الْمُتَكَبِّرُ..}: دائماً هو تعالى بتزايد وتنامٍ وتعاظم متسامٍ متشاهق في نفوس عباده المؤمنين والله أكبر، يوسِّع لك العطاء ومهما قلت كبير فهو أكبر وأكبر، ومهما رأيت من عظمته تعالى فهو تعالى أعظم وأعظم ولا نهاية لعظمته ولا حدّ فإذا آمن الإنسان وصلى بمعية رسول الله ﷺ وتلا رسولُ الله آيات الذكر الحكيم عليه وسمع المؤمن المصلي آيةً وشاهدها بنور رسول الله الموصل لنور الله، ينشده بعظمة هذه الآية ويندهش بها وتأخذ لبّه وعقله عظمة وإجلالاً وتنصعق نفسه إكباراً وتعظيماً لما شاهده من طرف ربه وهو بهذه الحالة من الذهول والتعظيم والتقدير لصاحب هذه الآية العظيمة، يقول له رسول الله ﷺ: (الله أكبر)، أي: ما زال هناك أوسع وأعظم وأسمى وأرقى وأعلى مما رأيت، أي: هاك خذ وشاهد ما هو أكبر، فدائماً هو تعالى بتزايدٍ عليك يذيقك من عطائه ما هو أشهى وألذ وأحلى ويريك من عظمته ما هو أسمى وأرقى.
فما خلق الله الخلق إلا ليعطيهم مزيد برّه وفضله ويكلؤهم بعنايته ورحمته ويوسّع لهم الجنة التي كانوا فيها إلى جنات أسمى وأشهى، فالله يحب أن يتكبر عليك بعطائه أي يزيدك أكثر وأكثر من جنة إلى جنة أكبر متكبر عليك بالخير والعطاء والجنات.
أما إذا جاء الإنسان وأعرض عن ربه ورفض عطاءه العظيم، وتحوَّل عن ربه الرحيم دون أي التفات، وما أراد إلا الدنيا فيطلقه الله لما يريد ثم يبعث له رسوله ليهديه وينذره مغبة ما هو فيه من ضلال، فما زاده ذلك إلا بعداً وعتواً وما أراد إلا الدنيا وشهواتها عناداً وكفراً، فبماذا يعامله الله بعد ذلك؟!. قال تعالى: {..نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى..} سورة النساء: الآية (115). يتركه الله وشأنه واختياره ويعطيه من الدنيا ما يريد {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدّاً..} سورة مريم: الآية (75). إذا كان هو تكبَّر وهو لا يريد الجنة، فالله عزيز لا يتذلل له بل يتكبر عليه، لأنه هو تكبَّر وأدار ظهره، هو لا يريد الجنة ولا يريد الله فيتركه الله وشأنه (فالكبر على المتكبر صدقة) فعلى الإنسان أن يتراجع عن كبره ويعود إلى ربه {أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} سورة النمل: الآية (31) الله لا يذل ولا من معه.
{..سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: فما أعظمك يا إلۤهي وهذه أسماؤك وما أسماك وأرقاك! أسماؤك كلها حسنى فكيف يتحوَّل عنك التائهون ويلتفتون إلا الزائل الفاني، ويتخذون من دونك ولياً، تلج أنفسهم بالأصنام والشهوات وعبادة الآباء الذين لا حول لهم ولا قوة وأنت وحدك صاحب الأسماء الحسنى.
فمن الذي يسبح المخلوقات، والأجرام والنجوم كلها تسبح فضل الله ونعمه فمن يسبحها سواه ومن يسيرها سوى الله، فكيف يشركون بالله ويتخذون من دونه آلهة، والله أسماؤه كلها حسنى فكيف يتحول عنه التائهون ويلتفتون إلى غيره.
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال: في سور الفتح الآية رقم 10 لماذا وردت كلمة (عليهُ) بضم الهاء وليس بكسرها؟ وشكراً.
يقول تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً}.
عندما خرج المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة قاصدين البيت الحرام معتمرين، رفض أهل مكة دخول المسلمين وكان صلح الحديبية، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنه للمفاوضة مع قريش، ولمّا تأخّر سيدنا عثمان ظنَّ المسلمون أن المشركين غدروا به وقتلوه.
نوجز القول فنقول:
{إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ..}: (إنما) هنا أداة تفيد الحصر فالذين كانوا يبايعون الرسول تحت الشجرة وهي بيعة الرضوان، هم بالحقيقة إنما يبايعون الله، فجاءت (عليهُ) حتماً: معروفة لأنه لا تنطبق على الحضرة الإلۤهية أن تأتي بالجر والخفض، بالحقيقة والمعنى.
والصحابة الكرام بهذه البيعة ارتفعوا ونالوا مراتب ومنازل عالية ما كانوا ليبلغوها، لولا هذه البيعة فارتفعوا نقلة واحدة إلى السموات بتقواهم هذه.
فكانت بيعة الرضوان، بايع المسلمون رسولَ الله على الشهادة في سبيل الله، إذ أنهم لم يخرجوا للقتال ولم يعدُّوا له العدَّة إنما كان خروجهم للعمرة فقط، وفوجئوا بهذه الحادثة. فبايعوا الرسول على القتال في سبيل الله حتى الشهادة، ومعنى المبايعة هنا هي أخذ العهد والمواثيق، وهي المشاركة فقد باعوا نفوسهم لله وللرسول، وشاركوا رسول الله بأن لهم الجنة فضحّوا بالغالي وبأعزّ ما يملكون والجود بالنفس أسمى غاية الجود.
لذا ضمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعهدهم وغمرهم بحاله الشريف القدسي فارتفعوا على مراتب ومنازل ما كانوا ليبلغوها لولا مشاركتهم ومبايعتهم لرسول الله. بايعوا الرسول يعني بايعوا الله: هو صلى الله عليه وسلم خليفة الله في أرضه وسفيره.
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ..}: لأن الله تعالى بتلك اللحظة بايعهم بذاته في علياه فعلوا علواً بمناصرتهم لرسوله وغدوا في عليين، فلا خفض عليهم بعدها ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، بلغوا في هذه البيعة التقوى، قال تعالى: {..وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا..} سورة الفتح: الآية (26). والتقوى: هي الاستنارة بنور الله فقد شاهدوا أسماء الله الحسنى عن طريق رسول الله ورفعهم رسول الله ونهض بهم، وبضمه لهم وانضمامهم له ورسول الله دوماً مع الله، لذا صار لهم الدخول على الله وبلغوا مرتبة التقوى واسم الله هو لفظ الجلالة باللفظ المفخم الجامع لأسماء الله الحسنى كلها.
فاللغة العربية تخضع للمعاني القرآنية السامية العلية وإذا تضارب المبنى مع المعنى نأخذ المعنى ونترك المبنى، والمبنى يتبع المعنى وليس العكس فالمعنى هنا يتضمن الرفعة والعلو والسمو ولا يأتي بالخفض والكسر أي (عليهِ)، إنما هو بالرفع والضم {عليهُ}: فهم بهذا العهد بايعوا الذات الإلۤهية وباعوا أنفسهم لله.
في سورة الكهف الآية 19. لماذا أحد أصحاب أهل الكهف يكلمهم وكأنه ليس منهم (..كم لبثتم..) (..فابعثوا أحدكم..)
يقول ﷺ: (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمهم أحدهم) أخرجه أبو داود: رقم/2608.
وفي الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} سورة الكهف: الآية 19.
ويظهر من قول أحدهم لهم في هذه الآية أنّه أسبقهم أو أوّلهم بالإيمان وهو دلّهم على طريق الإيمان فسلكوا فوصلوا فأمّروه عليهم، وهذا طبيعي لئلا يقع اختلاف ولا تفرقة، لذا فهو يكلمهم كمُعلِّم لهم برضاهم واتّفاقهم ليس إلا.
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠) لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ}.
أرجو أن تتكرموا بشرح الأحكام الواردة في هذه الآيات بشكل دقيق مفصل، لأني قرأت الكثير من التناقضات في فهمها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..}: اتبعوا أيها المؤمنون هذه الأوامر وأطيعوا، كي يحصل النصر والظفر.
{..الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ..}: الجواري الأسرى اللواتي يخدمنكم. والعبيد الذين أخذتهم لتدلهم على الله هم وأولادهم ليستأذنوا عند الدخول عليكم غرفكم.
{..وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ..}: أولادكم، لم يصل لمرتبة الرجال.
{..ثَلَاثَ مَرَّاتٍ..}: إذا أراد الدخول يستأذن علِّموهم ذلك الاستئذان.
{..مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ..}: علَّه يكون بينكم شيء خاص بكم.
{..لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ..}: بعد هذه المرات، في هذه الأوقات الثلاثة هؤلاء ليستأذنوكم، بعد هذه المرات بعدها يستطيع الدخول دون إذن.
{..طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ..}: يدخلون بلا إذن.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: هذا فيه حكمة، كل أمر من أوامره، ما ينتج عنه من خير.
{..الْآيَاتِ}: الدالة على منتهى الخير لكم والمعاملة الحسنة وإنشاء جيل فاضل.
{وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ..}: صار رجلاً. {..فَلْيَسْتَأْذِنُوا..}: أيضاً، عليهم أن يستأذنوا.
{..كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ..}. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا..}: هكذا يفعل، لعل أمك عندها ضيوف.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: ولا يحب أحد أن يرى أمه في حالة تكشف عورتها، مفاجأة، بل بالإذن تكون مستورة.
{وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء..}: المسنات، العمياء أو العاجزة أو المريضة.
{..اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحاً..}: مقطوع الأمل من زواجهن.
{..فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ..}: وردت هنا الآية في صيغة الاستفهام الاستنكاري. أي أليس عليهن جناح وهل هذا الزعم الذي يزعمونه صحيح؟ وكما يقولون؟ أن هذه مسنة لا أحد ينظر إليها فليس عليها جناح. هل هذا الكلام صحيح؟!
هذا غير صحيح، فهذه المسنة هي قدوة لبناتها وأحفادها الفتيات، فإن رأينها غير محجبة ينهجن نهجها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كل إنسان ينظر إلى من هي بعمره فالشَّاب ينظر إلى الشابات وكذلك المسن إلى المسنة.
فالآية تقول: أليس عليها جناح؟ فهذا الزعم الذي يزعمونه غير صحيح.
{..وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ..}: يجب عليها أن تتستر. هذا لا يجوز ولو أنها مسنة يجب أن تطبق ما أمرها الله من الحجاب الكامل الساتر فهذا هو الخير وما دونه شر، فالكبير بالسن إنما يستهوي من هي مسنَّة تفهم عليه.
{لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ..}: أليس عليها حرج؟! كما يقولون هل يسمح له بالدخول على النساء دون حجاب، فإذا كان هو لا يرى فالنساء اللواتي دخل عليهن ألا يرينه؟
{..وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ..}: كذلك أليس عليه حرج ألا يشتهي هذا الأعرج إن دخل على النساء ودون حجاب؟! وهذا النقد موجَّه للمجتمعات الجاهلية قبل الإسلام ولمن يريد أن ينهج نهجهم.
{..وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ..}: كذلك؟ كما كانوا يفعلون في الجاهلية، إن كان مريضاً فنفسه ألا تشتهي؟!
{..وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ..}: أيضاً هنا وردت الآية في صيغة الاستفهام الاستنكاري نقداً للمجتمع الجاهلي قبل الإسلام ولمن نهج نهجهم.
أي: هل هذا الذي تفعلونه مباح!، لربما كان الأب أو الأم أحوالهم المادية ضيقة، هل يجوز أن يتثاقل الابن عليهما ويضايقهما؟! أليس عليه جناح إن فعل هذا! ألا يكفي أنهما ربياه؟!
هل جزاء الإحسان المضايقة؟! فهل من يأكل ببيته حراً مرتاحاً كمن يضايق والديه؟
{..أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ..}: كذلك لا يجوز، فلربما كان الأخ يتضايق ويستحي من أخيه، وكذلك لا يجوز أن ترى زوجة أخيك وتختلط معها لقوله صلى الله عليه وسلم: «الحمو الموت» فهذا يزرع بين الأخوة الحقد والبغضاء لما يعقبه من فحشاء ومنكر، فيقطع أقدس العلاقات بين الأخ وأخيه.
{..أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ..}: أيضاً هذه أليس عليكم جناح إن دخلتم هذه البيوت بشكل عشوائي ودون إذن صاحبها ودون حجاب بين النساء والرجال؟!
فلربما في هذه البيوت نساء محرمات كابنة عمك أو ابنة خالك أو ابنة خالتك أو ابنة عمتك.
{..أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ..}: يجعلون هذه البيوت كبيوتكم التي تملكون مفاتيحها؟!
هل بيتك كجميع تلك البيوت؟ إذن: لكل بيت حرمته فلا يجوز الدخول على هذه البيوت دون استئذان كما يفعل الناس اليوم بالعشائر والقبائل التي لا تتقيد بشرع أو دين "عروبية" ويحدث الاختلاط، ويقول لك: نحن أهل " أقرباء" فيرى ابنة عمه أو ابنة خاله ومن ثم تقع الفواحش والمحرَّمات التي لا يرضى الله بها، إنَّ هذا كله لا يجوز ولو كانوا أقاربك.
{..أَوْ صَدِيقِكُمْ..}: هل يجوز أن تدخل على بيته أيضاً هكذا حينما لا يكون موجوداً وتشاهد المحرمات، أو دون استئذان ولا نظام أو قانون فتخرج عن طريق الإنسانية والمنطق والدين؟! أليس عليك جناح إن فعلت كل هذا؟ أين قوانين الإنسانية؟!
{..لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعاً..}: مجتمعين حول مائدة واحدة كلكم معاً نساءً ورجالاً: أي أليس عليكم جناح إن فعلتم ذلك نساءً ورجالاً على مائدة واحدة ودون حجاب؟ إذن بالإسلام للرجال مجال وللنساء مجال، هذا شرع الله.
{..أَوْ أَشْتَاتاً..}: هل جميعاً مثل أشتاتاً، هل هذه مثل الفصل بين النساء والرجال وهل فرض الحجاب كعدمه؟! إذن لكل مجاله.
{..فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً..}: تطيب بها نفسك إذ بسلوكك القانون الذي رسمه الله لك تضمن سلامة نفسك وتتوارد الحياة على قلبك من الله حيث تقف بين يدي ربك بالصلاة غير خجل من عملك ونفسك تكسب ثقة برضاء الله عليها فتقبل عليه تعالى وتتوارد عليها الحياة من الله.
{..مُبَارَكَةً..}: فيها البركة والخير متزايد.
{..كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون}: تعقلون ما فيهما من الخيرات، هذا العقل يتم بالصلاة، فإن خالف الأوامر تخجل نفسه ولا يصلي، يقف بالصلاة صورة لا حقيقة أما إذا أطاع الله وائتمر بأمره وانتهى بنهيه يقف بالصلاة بوجه أبيض فيصلي حقيقة فيعقل ما في الأوامر من خيرات.
«ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها»
«والدين هو العقل ومن لا عقل له لا دين له»
وهذه سورة النور حتى يحصل لك النور من الله عز وجل إن طبقت ما فيها كما قال الإمام الشافعي حيث شكى لشيخه وكيع:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأعلمــنــي بأن العلم نور ونــور الله لا يُهــــدى لعاصي
فلابدَّ من سلوك القوانين التي رسمها الله لنا حتى نغدو بالنور القلبي أولو بصيرة، وهذه السورة سورة النور {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا..} سور حافظ للإنسان إذا عمل بها صارت له سوراً حفظته من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة.
{وَفَرَضْنَاهَا..}: على الخلق، فكل من عمل بها دخل ضمن السور وحفظ من الشرور وصار من أهل الجنات.
استمع مباشرة:












